صورة تعبيرية عن أحاديث الشعر في السنة النبوية
— نشر هذا المقال لأول مرة في مجلة الجوبة 1 يناير 2016
كان الشعر - بما هو - كلام موزون مقفى، على ما أثر ابن قتيبة، ذا منزلة مرموقة في نفوس القوم. وكان سبيلهم إلى مواجهة العالم بالمعنى الحقيقي. حتى صح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: «الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه»، على ما أخرجه ابن سلام الجمحي في طبقات الشعراء [1/24:524].
وقد تكاثرت أقوالهم الدالة على هذه المنزلة الكبيرة للشعر في نفوسهم، كان جمع طرفًا منها الدكتور أحمد مطلوب في «معجم مصطلحات النقد العربي القديم» [ص: 226]، والدكتور محمود الربداوي في كتابه «كشاف العبارات النقدية والأدبية في التراث العربي» [ص: 201].
لقد كان على الإسلام، بما هو دين خاتم يملك رؤية وتصورًا خاصًا للكون والوجود والعالم، أن يتخذ موقفًا من الشعر، لأسباب كثيرة تتعلق بمنع التداخل بين كتابه المعجز الأعلى، القرآن الكريم، وغيره من أنواع الكلام الأخرى.
وهو ما دعا الكتاب العزيز إلى أن يلمس القضية بما يمهد الطريق لفحص دقائق هذه العلاقة وملابساتها.
ولا يمكن فحص تفصيلات هذه القضية المهمة من الجوانب الاعتقادية والثقافية والحضارية والاجتماعية معًا، دون تعيين للمصادر الأساسية لموقف الإسلام من الشعر.
وفي هذه المقالة/الفقرة محاولة لرصد موجز لرؤوس هذه المصادر التأسيسية:
يمثل الكتاب، بما هو المصدر المحوري للتصور الإسلامي للعالم، المصدر الأول لفحص موقف الإسلام من الشعر. وقد تنوع حضور لفظ الشعر والشاعر والشعراء في الكتاب العزيز في مدونة قصيرة كما يلي:
الشعر: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} [سورة يس].
شاعر: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [سورة الأنبياء: 5]، (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) [سورة الصافات]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [سورة الطور: 30]، (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) [سورة الحاقة].
الشعراء: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [سورة الشعراء].
فهذه المدونة الموجزة دلت على مجموعة من كليات الحقائق المركزية على طريق فحص القضية، يمكن إجمالها فيما يلي:
ويلحق بهذا المصدر ما قام عليه من تفاسير لآياته، وهي كثيرة ومتنوعة المناهج، يمثل جمعها مصدرًا مهمًا لفحص العلاقة بين القرآن والشعر.
تمثل نصوص السنة النبوية الشريفة المصدر الثاني المركزي على طريق فحص موقف التصور الإسلامي من الشعر. وقد احتفلت كتب الصحاح والمدونات الحديثية جميعًا بتخريج أحاديث الشعر في أبواب مختلفة، فجملة منها في كتاب الرقاق من صحيح البخاري، وكتاب الصلاة، وكتاب الأدب، وغيرها. وجملة أخرى في صحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة وغيره. وبقية كتب الصحاح والسنن والمسانيد لم تخل من أحاديث الأشعار.
ثم استقلت أحاديث الشعر بأجزاء مفردة مستقلة، جمعتها وخرجتها، ولعل أشهر جزء حديثي في هذا الباب هو: (جزء أحاديث الشعر)، للحافظ عبد الغني عبد الواحد بن علي المقدسي، المتوفى سنة 600 هـ، وكان نشره وحققه إحسان عبد المنان الجبالي، بالمكتبة الإسلامية، بعمان، الأردن، 1410 هـ = 1986م، ثم صنع له ملحقًا قسمه موضوعيًا كما يلي:
ويلحق بهذا المصدر أدبيات السيرة الموسعة التي اعتنت بالاستشهاد بالشعر وتفسيره وشرحه، وفي مقدمتها: «سبل الهدى والرشاد» لابن طولون الصالحي الدمشقي، وأدبيات شرح أبيات السيرة، وأهمها: «شرح أشعار السيرة» لأبي ذر الخشني.
ثالثًا: كتب النقد الأدبي العربي القديم وكشافاته ومعاجم مصطلحاته المعاصرة
إن كتب النقد الأدبي العربي القديم التي تنبهت لدراسة الشعر بما هو جنس أدبي مائز في تاريخ العرب، جمعت كثيرًا من النصوص المهمة على طريق فحص هذه العلاقة بين القرآن والشعر، من مثل: «الشعر والشعراء» لابن قتيبة، و«العمدة» لابن رشيق القيرواني، و«المثل السائر» لابن الأثير، و«العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي، وغيرها.
إضافة إلى عدد من الأدبيات المعاصرة التأسيسية، ككتاب: «كشاف العبارات النقدية والأدبية في التراث العربي» للدكتور محمود الربداوي.
كانت للمنزلة التي احتلها الشعر في النفس العربية على امتداد تاريخها أثرها في طرح هذا التساؤل المهم جدًا.
وهو التساؤل الذي يعيد لفحص موقف التصور الإسلامي من الشعر مكانته، بما هو وسيلة لتعزيز الفرح الساكن، على حد تعبير الدكتور أسعد دوراكوفيتش في كتابه المهم: «علم الشرق».
إن قراءة مدونة الأحاديث النبوية حول الشعر وتحليلها قائدة إلى عدد من الأبعاد الثقافية والحضارية التي يمكن أن تعزز من دواعم التنمية في بعديها الثقافي والحضاري بالأساس.
وفي ما يلي بيان ملامح هذه القراءة الثقافية الحضارية لأحاديث الشعر في السنة المشرفة:
إن من الخطأ النظر إلى التوحيد وحقائق الاعتقاد والإيمان من منظور عمل العقل، واستجماع الأدلة فقط؛ ذلك أن تعزيز قيم التوحيد من المنظور الجمالي والفني مهم جدا؛ نظرا لتأثيره المباشر والحي في النفس الإنسانية.
وقد جاء في أحاديث الشعر ما يكشف عن ذلك النظر، فقد ورد في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري [أحاديث الشعر للمقدسي، ص: 37/1] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما قالت الشعراء بيتا هو أصدق من قولهم: ألا كل شيء ما خلا الله باطل».
إن هذا الحكم النقدي المؤسس على ملاحظة الموضوع أو القضية التي يحملها بيت الشعر كاشف عن:
وهذا الملمح النقدي كان بإمكانه أن يحدث تطويرا جبارا على مستويين على الأقل لو أحسنت الثقافة العربية استثماره، هما:
وفي هذا السياق يمكن النظر إلى مجموعة أخرى من أحاديث الشعر، تكشف بشكل ظاهر جدا أهمية استثمار النصوص الشعرية في دعم البناء الفكري للدين، من مثل حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن [أحاديث الشعر للمقدسي: 39/2] أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله يقول: «يا حسان! أجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم أيده بروح القدس»؟ قال أبو هريرة: نعم.
ومثله حديث البراء [أحاديث الشعر للمقدسي: 40/3]، قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان:
«اهج المشركين، فإن جبريل عليه السلام معك».
إن هذين الحديثين وغيرهما كاشفان عن التوظيف النبوي للشعر، في القيام بدعم الانتصار لحقائق الإسلام من أخطر أبوابه جميعا، وهو باب الاعتقاد، إذ إن المنافحة عن مقام النبي الكريم تقع في الصميم من مبحث النبوات، وهو ركن ركين من علم التوحيد والعقيدة.
لقد كان عجيبا جدا أن تنطق مجموعة من أحاديث الشعر، بما يوحي بدرجة وضوح عالية بتعزيز ثقافة المرح، والمتعة البريئة والبهجة الآمنة، والفرح الساكن، والترفيه؛ فقد جاء في حديث عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «هل معك شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟» قلت: نعم. قال: «هيه». فأنشدته بيتا، ثم قال: «هيه». فأنشدته بيتا، فلم يزل يقول: «هيه» وأنشده حتى أنشدته مئة بيت.
وفي حديث جابر بن سمرة: «كان الصحابة يذكرون عنده الشعر فيضحكون ويتبسم».
إنني أريد أن أقف قليلا أمام دلالة تكرار اسم الفعل «هيه» الكاشفة عن مقدار من المتعة واللذة المتحققة من تلقيه صلى الله عليه وسلم لشعر أمية بن أبي الصلت؛ لأن اسم الفعل «هيه» دال على الاستزادة، وطلب المزيد، وهو ما يعني تحقق نمط من المتعة والبهجة النفسية، مرجعها إلى أمرين ظاهرين جدا:
إن التمكين لثقافة العمل، وتعظيم الارتباط بالمهن المفضية إلى العمران، وترقية الوجود المادي للحياة، أمر ظاهر جدا في التصور الذي جاء به الإسلام، وأحله في الثقافة العربية بعد أن كانت تزدري المهنة والعمل اليدوي، وتؤخر رتبته في قوائم مسببات حيازة الشرف الإنساني.
وقد جاء في الأحاديث ما يعزز استثمار الشعر في تعزيز التحمل، ودعم الارتباط بقيم العمل الجاد المؤسس للحضارة المادية والمعنوية معا، ففي حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وهو يرتجز بكلمة ابن رواحة:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى بغوا علينا
وإن أرادوا فتنة أبينا
ويمد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته.
إن التعليق الأخير الوارد في حديث سيدنا البراء، وهو: «يمد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته»، كاشف عن استثمار الشعر في الاستعانة على الأعمال الشاقة المرهقة. وهو الأمر الذي استقر في ثقافة العمل على امتداد التاريخ في الثقافات الشعبية للشعوب العربية الإسلامية بتأثير هذا.
لقد ظهر في كثير من أحاديث الشعر ما يكشف عن استنشاد الشعر في المسجد، وضرب قبة لحسان لقول الشعر فيه، وهو ما يمكن معه تطوير مفهوم المؤسسات الثقافية وخلق آفاق جديدة تؤذن بالتنمية الاقتصادية والثقافية معا.
إن استعمال المساجد الكبرى، وافتتاح صالونات شعرية وأدبية فيها، يسمح بتوفير جزء من ميزانيات الدول الإسلامية التي تنفق على إنشاء المؤسسات الثقافية، ويضمن وصول الخدمات الثقافية إلى أكبر قطاع من الجماهير، بسبب من الانتشار الواضح للمساجد.
لقد ورد في عدد من أحاديث الشعر ما يوحي بإمكان استثماره في تطوير الخطاب الإعلامي، وتقدير العناصر الجمالية اللفظية فيه، فقد استثمر الشعر في زمن النبوة جهازا إعلاميا ودعائيا في مواجهة أعداء الأمة من جانب، وفي دعم توجهات النظام الحاكم. ففي الحديث الصحيح (أحاديث الشعر 104/9) عن كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يجاهد بنفسه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما يرمونهم به نضح النبل».
إن إعادة فحص مدونة أحاديث الشعر تمثل أنموذجا لنمط من الثقافة المعاصرة تفرض إعادة الاقتراب الواعي من النطاق المركزي الذي ضمن لهذه الأمة انطلاقتها الكبرى في الحياة.